حسن بن موسى القادري
381
شرح حكم الشيخ الأكبر
قال الشيخ قدّس سرّه : ( من حفظت حواسه تعطّرت أنفاسه ) . ( الحواس ) جمع حاسة وهي أعم من الظاهرة والباطنة ، والمراد ( بالأنفاس ) الكلمات ، والمراد بتعطرها قبولها ووقوعها في قلوب الناس وسراينها وتنفيذها في الأشياء كسراية القدرة وتنفيذها فيها أي : الذي جعل اللّه تعالى حواسه محفوظة من درك ما سواه ، ورؤية الأشياء والالتفات إليها ، وتعطرت كلمات فتقع في قلوب الناس ، وتكون مقبولة عندهم ، وتكون كلماته حاكمة في العالم ، فيقف عند كلماته وهي قدرة سائرة ففي الحقيقة يكون وقوفه مع القدرة . 135 - ومن وقف في جميع أموره مع القدرة صرفته في جميع أموره كما يريد ، وأورثته العبرة . ( ومن وقف في جميع أموره مع القدرة صرفته في جميع أموره كما يريد ، وأورثته العبرة ) أي : الذي وقف في جميع أموره الدنيويّة والأخروية مع القدرة الإلهية السارية في الكلّ صرفت القدرة إياه في جميع أموره كما يريد ، وأورثته تلك القدرة العبرة فيصير ذلك العبد من أهل العبرة لا من أهل الاعتبار ، فلا ينظر الأشياء إلا بعين العبرة لا بعين الاعتبار ، وفي بعض النسخ ( بلطائفها ) بدل ( في جميع أموره ) . وفي بعض آخر هما معا ، فالعين الأولى للخواص ، والثانية للعوام ، وعند هذه الطائفة النظر كله حرام سوى نظر العبرة ، فيجب على السالك إغماض العين عن كلّ شيء حتى تحصل له عين العبرة ، فحقا يحل له النظر إلى الأشياء ؛ لأنه يرى فيها بدائع صنع خالق الأرض والسماء فيكون محرما للأشياء ، وقد ورد في الشرع نظر المحرم إلى المحرم ، ولا يلزم من هذا جواز النظر إلى الأجانب ؛ لأن المراد النظر إلى ما يجوز في الشرع نظره ، وما لا يجوز فيه نظره كالمحرمات لا يحل نظره لأحد من الآحاد في مقام من المقامات نعم من غاب حسه عن كلّ شيء ، وخرج عن هواه وحظوظ نفسه ولا يرى ولا يشاهد إلا الحق ، فلو وقع نظره فلا يقع إلا على الحق فلا يبعد أن يقال : بجواز النظر له ولو إلى المحرمات ؛ لأنه في مقام الجمع الصرف فلا وجود عنده لما به الامتياز ، ويقول من الغيرة المأخوذة من الغير حرّم اللّه الفواحش ، وهذا مسلّم لمن كان ممن لا شعور له بجرحه ، ولا بقتله واحتراقه وغير ذلك وإلا فلا نسلم له ذلك ، والأصل في ذلك قطع العلائق والعوائق عن الخلق وهو موقوف على الصدق مع الحق تعالى .